تابعنا على  
  الأربعاء 20 سبتمبر 2017 - 06:55 صباحاً
جريدة الكترونية كويتية
برقان
اختيارات القراء يومى شهرى
  • فيديوهات
السعودية تختتم موسم الحج بنجاح
جدارية سمو الأمير في "الأفنيوز"
سمو الامير يلقي كلمة الكويت اما قمة الرياض
فوز روحاني بانتخابات الرئاسة
الكشف عن زي برشلونة الجديد
الملك سلمان يستقبل ترامب
  • استطلاع رأى

هل انت راض عن نتائج مجلس الأمة

  نعم


  لا


  لا أهتم


  • معجبى الفيس بوك
  • معجبى تويتر

تساؤلات حول فشل التعامل مع الإرهاب

الأربعاء 07 يونيو 2017 04:23:57 صباحاً

 

لا يبدو الإرهاب الذي تشهده بلادنا والعالم في طريقه إلى التراجع بل يبدو متصاعداً، نظراً إلى الأبعاد التي تسببه وهي بالطبع مركبة ومتعددة. هذا الإرهاب يستخدم أبسط الأدوات بينما يثير الرعب في محيطه، ويدمر الشعور بالأمان بين الناس في العالم، فهو ساعة يضرب في المملكة المتحدة ويوماً في العراق وآخر في مصر وبلجيكا وفرنسا. إنه ينتقل من مكان إلى آخر ناشراً الدماء ومهاجماً البراءة بين الناس. الإرهاب كما يقع يخرب طرق المواصلات، يضرب الطيران الذي نعتمد عليه، يهز أسس الحضارة الحديثة وأماكن الاكتظاظ السكاني. إن من يمارس هذا النمط من العنف لا بد أن يكون كارهاً للمجتمع وكارهاً لذاته وللمكان والموقع الذي وصل إليه، وهو بطبيعة أعماله كاره للدول وللحدود في ما بينها، وربما وصل الذي يمارس هذا العنف بفضل بطالة مزمنة أو إهانة مذلة أو تهميش أو حتى حكم قضائي حول رأي أو كلمة أو احتجاج على سوء معاملة من سلطة مؤثرة. وربما وصل إلى العنف بفضل تجربة في سجن في حكم عادي. ليست المشكلة في الكتب والديانات، فكلها تحتوي على جملة هنا وجملة هناك يمكن وضعها خارج سياقها. إن المشكلة أساساً قائمة بقوة في العوامل التي تدفع شاباً أو شابة للبحث في الموروث من أجل اكتشاف ما يشجع على ممارسة هذا العنف والانتقام.

 

الإرهاب مدرسة برزت بعد أن اكتشفت جماعات صغيرة ومنتشرة بين الشبان والأفراد أنهم قادرون بواسطة العنف على مضايقة أكبر الدول وأقوى الأنظمة والإمبراطوريات. لقد حقق الإرهاب اهتزازات في الشرق والغرب، ونجح في تغيير حياتنا وطريقة عيشنا وفي هز أنظمة والتأثير على قوانين، لهذا فهو مستمر في التصعيد. لقد اكتشف الإرهاب أن بإمكانه أن يتحكم بردود فعل الدول الكبرى والصغرى، وأنه قادر على توريطها في قرارات تؤدي إلى حروب ونزاعات، وهذا بالتحديد جزء من خطته التي تسمح له بالتوسع وكسب الأنصار.

 

هذا المشهد المتفجر لن يغادرنا في المدى المنظور، فالعنف لن يتركنا قبل أن يترك أثراً كبيراً في علاقة الشرق بالغرب وفي علاقة النظام العربي بالشعوب العربية، فهو تعبير مؤلم وقاتل، عن الأمراض التي تختمر في واقعنا السياسي والاقتصادي والإنساني، ولا علاج واضحاً له في ظل مدرسة القمع والمصادرة والاستبداد. فهو باختصار انعكاس للحالة التي وصلت فيها العلاقة بين الدولة والمجتمع في العالم العربي، لهذا يضرب العنف ليثبت أولاً فشل الدولة في حماية رعاياها، ويضرب بجنون في الغرب ليفرض على الدول الغربية طرد المسلمين المقيمين فيها ولينجح في جر الغرب إلى الانتقام الذي يستنزف اقتصاده. إن هدف العنف من كل هذا كسب الأنصار واستنزاف الأنظمة ودفعها إلى الانهيار. هذه المدرسة أقرب إلى الفوضوية في التاريخ الحديث، لكن الأهم أنهم نتاج أزمات العالم العربي وسياساته ونظامه العام الذي يعتريه الفشل والتردي.

 

لقد تخبطت الدول العربية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، وتخبطت الولايات المتحدة وتخبط غيرها في تعريف الإرهاب، لأنه لم يشمل إرهاب الدول والمؤسسات الرسمية كالسجون والمعتقلات وسلوك الأمن والجيش في مواقع كثيرة. التعريف الأميركي والتعريف الرسمي العربي يركز فقط على عنف القوى غير الرسمية. لكن الرواية تلو الرواية والقصة تلو القصة تؤكد لنا أن كل أنواع السجون في الدول العربية يسهل أن تتحول إلى مراكز تنتج عنفاً، فالسجون هي أكثر الأماكن تكثيفاً للعنف والفكر المرتبط به. وتختار الولايات المتحدة أن تشمل في تعريفها للإرهاب حركة «حماس»، بالرغم من أن حجم العنف الذي مارسته «حماس» ضد المدنيين في إسرائيل لا يصل إلى واحد في المائة من حجم العنف الذي ارتكبته إسرائيل ولا زالت بحق المدنيين الفلسطينيين، فأين العدالة في توزيع التعريفات؟ وكيف تكسب هذه العدالة الصدقية في العالم وبين الشعوب التي تراقب الحدث والخطاب السياسي؟ فـ «حماس» تضرب صاروخاً رداً علي تهجير الفلسطينيين وحصارهم وإسرائيل تبيد أحياء كاملة في غزة. والمفارقة الأخرى أن «حماس» لم تقم بعمل واحد خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وليست الطرف الذي يسبب إرهاب سيناء، ومع ذلك لم يخفف هذا عليها تهمة الإرهاب!

 

إن أخطر تعريف للإرهاب هو ذلك الذي يشمل الفكر والكتابة، ففي النظام العربي تتوفر قناعة بأن المعارض/ الناقد والكاتب والباحث يمكن التخلص منه بذريعة الإرهاب. لكن ذلك غير ممكن، فما لا يعيه النظام العربي منذ الخمسينات إلى اليوم أن التخلص من روح المعارضة والنقد هو مثل تخلص الجسم من البكتيريا الحميدة، إنه مقدمة للانهيار والضعف.

 

لقد تحول تعريف الإرهاب العربي والدولي إلى وسيلة لملاحقة المختلفين في الشأن الداخلي بما في ذلك من دعوا إلى الإصلاح والتفكير في نظام أفضل وحياة سياسية أساسها الشراكة. لقد أصبح الاختلاف مدعاة للاتهام بالإرهاب. هذا التفكير في النظام الرسمي العربي هو أيضاً أحد الأسباب التي تقدم وقوداً جديداً للعنف في الإقليم.

 

إن تعريف الإرهاب بصفته حرباً تقوم بها جماعات مسلحة ضد المدنيين لم يعد يكفي ولم يعد ذا معنى. لقد أصبح الأمر أكثر تعقيداً. علينا مواجهة الحقيقة التي تقول إن الإرهاب قبل أن يرتبط بالتمويل هو مرتبط أساساً بحالة يأس وبطالة وهشاشة وفراغ فكري وأزمة هوية واستقلال وكرامة وعدالة تشمل قطاعاً كبيراً من الجيل العربي الصاعد. ما لا تعيه النخب العربية والبيت الأبيض الآن هو حجم المعاناة والآلام في قاع المجتمعات العربية وحجم اليأس وحجم غياب الحلول، مقابل انتشار الفساد والعنف الرسمي المرئي منه والمخفي.

 

من دون إشراك كل القوى في الحوار الوطني سيستمر الإرهاب ويقتات أساساً على استمرار الديكتاتورية من جهة والعبث السياسي من جهة أخرى. التجربة العربية تؤكد أن لا نهاية للإرهاب من دون دمج حقيقي للتيارات السلمية، ثم دمج صادق للتيار الحقوقي والتيارات الديموقراطية في الدول العربية، فالتغيير في بلادنا لن يقع بالقوة، ولا بالفرض والإرهاب الفكري والشيطنة والعزل السياسي، بل سيقع عندما تقتنع فئات واسعة من الشعوب وفق تلقائيتها ووفق خياراتها بما هو أفضل لها.

 

تاريخ العنف يقول لنا إنه عندما تنتفي حالة الفصل بين السلطات وعندما لا يكون هناك مجال للتعبير السياسي والنقدي وتنتفي ضمانات التظاهر والتجمع السلمي، وعندما لا تضمن الحريات الفكرية والرأي النقدي وعندما يكون الفساد على أوسع نطاق والاقتصاد محتكراً والبطالة في كل مكان وعندما لا تتوافر أسس للمحاكمة العادلة، فإن بعض فئات المجتمع يتجه إلى العنف، لكن قطاعاً آخر سيلجأ إلى الهجرة والانسحاب من النظام العام مما يدفع باتجاه الدولة الفاشلة، لكن قطاعاً محدداً سيلجأ إلى الثورة، وهذا جانب قائم وممكن في المراحل القادمة في المجتمعات العربية. إن العنف العربي تأكيد على الفشل العربي في التعامل مع العدالة والحقوق والمعاملة الكريمة، وفي الوقت ذاته فالإرهاب كما يتطور في الإقليم وفي العالم هو مقدمة لشيء أكبر لا زال يختمر في قاع المجتمع ويمثل استمراراً لما وقع عام ٢٠١١.